الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
102
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والخطاب للأنبياء المذكورين في الآيات السابقة . والوجه حينئذ أن يكون القول المحذوف مصوغا في صيغة اسم الفاعل منصوبا على الحال . والتقدير : قائلين لهم إن هذه أمتكم إلى آخره . والمقول محكي بالمعنى ، أي قائلين لكلّ واحد من رسلنا وأنبيائنا المذكورين ما تضمنته جملة إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ . فصيغة الجمع مراد بها التوزيع ، وهي طريقة شائعة في الإخبار عن الجماعات . ومنه قولهم : ركب القوم دوابهم ، فتكون هذه الآية جارية على أسلوب نظيرها في سورة المؤمنين . وفيه ما يزيد هذه توضيحا فإنه ورد هنالك ذكر عدة من الأنبياء تفصيلا وإجمالا ، كما ذكروا في هذه السورة . ثم عقب بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [ المؤمنون : 51 ] وأنّ - بفتح الهمزة وبكسرها - هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [ المؤمنون : 52 ] ، فظاهر العطف يقتضي دخول قوله تعالى : وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً في الكلام المخاطب به الرسل ، والتأكيد عن هذا الوجه لمجرد الاهتمام بالخبر ليتلقاه الأنبياء بقوة عزم ، أو روعي فيه حال الأمم الذين يبلغهم ذلك لأن الإخبار باتحاد الحال المختلفة غريب قد يثير تردّدا في المراد منه فقد يحمل على المجاز فأكد برفع ذلك . وهو وإن كان خطابا للرسل فإن مما يقصد منه تبليغ ذلك لأتباعهم ليعلموا أن دين اللّه واحد ، وذلك عون على قبول كل أمة لما جاء به رسولها لأنه معضود بشهادة من قبله من الرسل . ويجوز أن تكون الجملة استئنافا والخطاب لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم أي أن هذه الملة ، وهي الإسلام ، هي ملة واحدة لسائر الرسل ، أي أصولها واحدة كقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [ الشورى : 13 ] الآية . والتأكيد على هذا لردّ إنكار من ينكر ذلك مثل المشركين . والإشارة بقوله تعالى : هذِهِ إلى ما يفسره الخبر في قوله تعالى : أُمَّتُكُمْ كقوله تعالى : قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [ الكهف : 78 ] . فالإشارة إلى الحالة التي هم عليها يعني في أمور الدين كما هو شأن حال الأنبياء والرسل . فما أفادته الإشارة من التمييز للمشار إليه مقصود منه جميع ما عليه الرسل من أصول الشرائع وهو التوحيد والعمل الصالح . والأمة هنا بمعنى الملة كقوله تعالى : قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [ الزخرف : 22 ] ، وقال النابغة : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع